كلمة  فى جلسة خاصة على هامش أعمال الدورة الحالية لمجلس الإدارة لمناقشة تأثير الأزمة المالية العالمية علي العمالة في دول العالم بجنيف

23/3/2009

شكراً سيادة الرئيس

أصحاب المعالى الوزراء

السادة ممثلو أصحاب الأعمال وممثلو العمال

السيدات والسادة

 اسمحوا لى أن أبدأ بتقديم الشكر للمنظمة و للمدير العام على دعوتى للمشاركة كمتحدث فى حلقة النقاش التى نعقدها اليوم بالشق رفيع المستوى المخصص لبحث الأزمة المالية العالمية وتداعياتها، وأود فى هذا الصدد التعبير عن التقدير لقيام المنظمة بعقد جلسة خاصة على هامش أعمال الدورة الحالية لمجلس الإدارة لمناقشة هذا الموضوع الهام الذى يعد من أولويات كافة الحكومات والشركاء الاجتماعيين وكذا المنظمات الدولية ،، ونحن نبدى فى مصر اهتماماً خاصاً باضطلاع المجتمع الدولى  بمسئولياته من خلال مؤسساته الشرعية لمواجهة الأزمة.
من هذا المنطلق قامت مصر منذ بدء انتشار الأزمة وتفشيها على الساحة الدولية بتحفيز مختلف المنظمات والمؤسسات بمنظومة الأمم المتحدة وخارجها للتعامل معها و بادرت بالدعوة لعقد جلسة خاصة بمنظمة التجارة العالمية لبحث الأزمة والتى تم عقدها فى نوفمبر 2008، كما عقد مجلس حقوق الإنسان بجنيف بناء على اقتراح من مصر جلسة مماثلة للنظر فى تداعيات الأزمة على واقع حقوق الإنسان وخاصة الحق فى التنمية ، وأيضاً عقد مجلس الانكتاد جلسة لذات الغرض من منظور انعكاسات الأزمة على التنمية ودور المؤسسات الدولية فى إخراج المجتمع الدولى منها .
وتدعو مصر  وسائر الدول الإفريقية  الى أخذ تداعيات الأزمة فى الاعتبار لدى بدء استئناف مفاوضات تحرير التجارة ضمن جولة الدوحة وأشير بوجه خاص فى هذا الشأن لنتائج الاجتماع التنسيقى لوزراء التجارة الأفارقة الذى عقد الأسبوع الماضى فى أديس أبابا والذى ناقش بشكل معمق تأثيرات الأزمة على مفاوضات جولة الدوحة وأصدر بياناً خاصاً بذلك شدد على عدد من النقاط المطلوب اتخاذها على الصعيد الدولى .

وأبدأ بالاشارة الى عدد من الملاحظات العامة فى اطار النقاش الدولى الجارى حالياً حول كيفية التعامل مع الأزمة والحد من آثارها السلبية على المشروعات والعمال وعلى النمو بوجه عام :

أولاً – من الواضح أن الأزمة تتغير من حيث الشكل والمضمون حيث تحولت خلال عملية انتقالها عبر الدول من أزمة اختلال فى ادارة بعض أسواق الائتمان العقارى بالولايات المتحدة الى انهيارات بالمؤسسات المالية والمصرفية لدى بعض دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD ثم تتحول لدى انتقالها للدول النامية الى أزمة فى قطاعات الاقتصاد الحقيقى، ويبدو هذا التحول هو الذى يفسر تباين الوسائل والأدوات المستخدمة فى التعامل معها .

ثانياً - ان تحولات الأزمة هكذا تجد تفسيراً مبسطاً فى ظاهرة العولمة التى أزالت الحدود بين الدول والمجتمعات وقد يكون فى ذلك قدر كبير من الصحة لا سيما اذا استذكرنا عدم انتقال عدوى الأزمات المالية والاقتصادية التى شهدتها بعض دول العالم فى سبعينيات القرن الماضى على نحو سريع الى خارج اطار الدول التى لم تحدث بها. لكننا نعتقد خلافاً لذلك أن العولمة بحد ذاتها ليست السبب الرئيسى والحقيقى فى سرعة انتشار الأزمة بقدر ما يرجع ذلك الى نوع العولمة التى نعيشها وتتسم بعدم العدالة وغياب التوازن عبر العديد من المظاهر .

ثالثاً - أوضحت الأزمة أن تحول الاقتصاد الدولى عبر العقدين الماضيين - وربما قبل ذلك - من الانفاق على عمليات الانتاج الى الافراط فى التركيز على نقل وتداول المعلومات ذات الصلة ببعض الخدمات وأبرزها الخدمات المالية هو الذى أدى الى الاختلالات العميقة فيما بين الدول وداخل المجتمعات الواحدة بل أسهم فى اضافة ضغوط ومشروطيات على أسواق العمل التقليدية ، وعلى متطلبات التشغيل ، وفى ارتفاع غير مسبوق للطلب العالمى على العمالة الماهرة ، وفى التقييم المبالغ فيه فى كثير من الأحيان للانتاجية الحقيقية لمؤسسات الخدمات المالية ، بل وفى توليد فقاعات فى أرقام الاستثمار والاستهلاك ، مع اهمال - وربما عقاب - هؤلاء الذين يفتقرون لمهارات التشغيل المستندة الى التكنولوجيا .

ولم يكن ذلك فى صالح الدول النامية عموماً بسبب ضعف امكانياتها المادية وضعف بنية أسواق العمل ، وتدنى القدرة على الانفاق على التعليم ، فضلاً عن غياب الاهتمام بعملية نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة الى الدول النامية باستثناء حالات محدودة .

رابعاً - أن تأثيرات الأزمة على حركة العمالة المهاجرة تتعمق يوماً بعد يوم واذ من السابق لأوانه اجراء تقييم فعلى لها على الصعيد العالمى فهناك مخاطر واضحة يمكن رصدها الآن بما فى ذلك تخفيضات الأجور والرواتب بأسواق العمل التى تعتمد على هذا النوع من العمالة المهاجرة ، اضافة الى لجوء بعض الدول لايقاف والغاء المزايا والحوافز الاضافية للعمال ، بل جرى مساومة العمالة فى بعض البلدان على الوظائف والأجور ، وعلى القبول بالفصل المبكر نظير مكافآت مالية هزيلة ، وهو ما ينعكس بشكل فورى وتلقائى على تحويلات العمالة المهاجرة وعلى مستويات الطلب . ان نظرة على أرقام تحويلات العمالة المهاجرة للدول الافريقية جنوب الصحراء تدلل على خطورة المسألة بالنسبة لها حيث انخفضت نسبتها من 42% من الدخل فى 2007 الى 6% فى 2008 .

بناء على ما سبق أود أن أشير الى عدد من الاستخلاصات التى تعنينا فى هذا الشأن :

1-    أن حدوث الاختلالات فى الدخل ومستويات المعيشة هى بالفعل أحد الظواهر المصاحبة للنمو ، لكن ذلك لا يعنى من جهة أخرى عدم مواجهتها والتقليل من آثارها السلبية على التنمية بل يعد ذلك أحد المسئوليات الرئيسية الواجبة على الدول .

2-     أن النجاح فى مواجهة عدم المساواة ومعالجة الاختلالات يعتمد بدرجة كبيرة على الحيز المتاح للسياسات الوطنية وذلك بجانب ما توفره المبادرات الدولية الأمر الذى يعنى من جهة أخرى ضرورة تحمل المجتمع الدولى لمسئولياته فى تهيئة المناخ الملائم لانجاح السياسات الوطنية .

3-    أن هناك عدداً من المؤشرات التى تدعو للقلق من بينها :

·        توقعات عن نقص فى التحويلات الصافية للأسواق البازغة – وفقاً لتقديرات البنك الدولى – قد تقف عند حدود 165 مليار دولار خلال عام 2009 بما يمثل انخفاضاً بنسبة 65% مقارنة بمستوياتها عام 2008 وبنسبة 82% مقارنة بالمستويات القياسية لها فى عام 2007 حين بلغت 929 مليار دولار .

·        مؤشرات عن تزايد عجز الموازنة لدى بعض دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD مع أثر ذلك فى المدى القريب والمتوسط على المشروعات والتشغيل فى العديد من الأسواق البازغة والدول النامية المعتمدة على تدفقات الاستثمار الخارجى .

·        قيود حمائية على حركة الاستثمارات ربما منذ ما قبل الأزمة لدرجة دعت منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية للتأكيد على مبادىء حرية الاستثمار بين أعضائها .

·        قيود يتعين التصدى لها على حركة التجارة الدولية ، ستضيف الى العوائق القائمة بالفعل أمام صادرات الدول النامية من السلع الزراعية والمصنعة .

·        تخبط عام وعدم التوافق على السياسات والاجراءات الواجب اتباعها للتعامل مع الأزمة ،، واختلاف المدى الزمنى المتوقع لنجاح السياسات المتخذة بالفعل على المستويات الوطنية .

ان ما سبق ينذر بالمزيد من الأخطار فى المستقبل القريب ويتعين النظر لمدلولاته وانعكاساته على الدول النامية والافريقية على وجه الخصوص لا سيما أنها تعتمد على 5 مصادر رئيسية للدخل ترتبط وتتأثر بشكل سلبى وعميق بما يحدث حالياً فى الاقتصاد العالمى هى : تدفقات الاستثمارات المباشرة ، ومساعدات التنمية الرسمية ، وعائدات التصدير ، والدخل من السياحة ، وتحويلات العمالة المهاجرة.

ويدعونى ما سبق الى التأكيد على :

1-    ضرورة اعادة النظر فى بعض المسلمات القائمة فى النظام الاقتصادى والمالى العالمى لأنها ببساطة لم تعد تصلح للمضى قدماً بعد وقوع الأزمة ، ويخطىء من يظن أن علاقات العمل ، وقواعد التجارة ، وحركة الاستثمار وتدفقات الأموال ستعود الى ما كانت عليه قبل وقوعها .

2-    ضرورة الاتفاق على أن المعالجة الدولية للأزمة لم تكتمل بعد ، كما لم تنظر بعين الاعتبار للأبعاد الاجتماعية لها أو للآثار الوحشية لاستمرارها على شرائح العمال وفرص التشغيل ، وزيادة تهميش المرأة ، وتفاقم حدة الفقر.

3-    أن من الهام التعامل مع الأزمة على المستوى الدولى والوطنى فى آن واحد من منظور يعنى بالفرد العامل ، وباحتياجاته ، وبظروف العمل وفرص التشغيل ، وفق التوصيات الواردة بالتقرير الهام والشامل الذى أصدرته اللجنة العالمية حول الأبعاد الاجتماعية للعولمة عام 2004 ، وتلك المتضمنة فى اعلان المنظمة بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة الذى يضع هدف العمل اللائق كغاية أسمى وآلية محورية فى نفس الوقت .

4-    أن أحد المتطلبات الرئيسية للتخفيف من وطأة الأزمة على الدول النامية يتطلب اتاحة المساحة الكافية لها من حيز السياسات الاجتماعية والاقتصادية من خلال أدوات مالية لا تتضمن قيود أو مشروطيات ، حيث من المفترض أن يتم منح الأولوية لزيادة الانتاجية وضخ الاستثمارات وتنشيط الانفاق على البنية الأساسية بهدف كبح جماح البطالة وتوسيع قاعدة الحماية الاجتماعية .

5-    يرتبط ذلك بالدور الذى يقع على عاتق المجتمع الدولى ومؤسساته وعلى رأسها منظومة الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية ، وأرى أن التحدى الحقيقى أمامه يكمن فى الوصول الى منهج جديد لاعادة توظيف واعادة توجيه قوانين وبرامج عمل المؤسسات الدولية بما يضمن توفير حد أدنى من الحماية الاجتماعية للأفراد ، ووضع مسألة العمل اللائق بكافة محاورها فى صدارة أولويات الاقتصاد العالمى .

من هذا المنطلق فاننى أؤكد على أهمية مشاركة منظمة العمل الدولية فى قمة مجموعة العشرين المقرر عقدها الشهر المقبل فى لندن لتوفير الحد الأدنى من التناول الدولى المقبول للجوانب ذات الصلة بعلاقات العمل وبقية الأبعاد الاجتماعية ضمن جهود معالجة هذه الأزمة .

الآن أود أن أطرح بعض تأثيرات الأزمة على مصر التى أمكن رصدها خلال الربع الأخير من عام 2008 وتشير الى انخفاض فى معدل النمو الحقيقى ، وانخفاض معدل النمو بقطاعات السياحة ، التشييد والبناء ، الصناعات التحويلية مع ارتفاع عجز الحساب الجارى وعجز الميزان التجارى. وفيما يتعلق بالبطالة فان المؤشرات تدلل على أن استمرار الانفاق العام فى قطاعات البنية الأساسية وفى تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة يحقق نتائج ايجابية فى كبح جماح البطالة التى سجلت نسبة 8.7% فى الربع الأخير من عام 2008 .

بالنسبة للإجراءات التى اتخذناها فهى تمثل مجموعة متكاملة من الأدوات المالية والاجتماعية التى تعلى من أولوية الحفاظ على الوظائف وفرص التشغيل،، وأسجل هنا بكل فخر أنه تم الاتفاق على هذه الاجراءات فى اطار الشراكة والحوار الاجتماعى الذى نعلى من شأنه فيما بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين ومن بينها :

·        تعويض النقص المتوقع فى معدل النمو الناجم عن المعاملات الخارجية من خلال ضخ تدفقات مالية بشكل سريع فى مشروعات البنية الأساسية التى من شأنها توليد فرص العمل، مع تقديم حوافز للمصدرين بشرط عدم تسريح العمالة .

·        استخدام مصادر التمويل المحلية المتاحة بالقطاع المصرفى وضخها بسرعة فى مشروعات ذات عائد اقتصادى للحفاظ على مستويات الطلب المحلى .

·        تطوير البرنامج الاجتماعى بما يتناسب مع التحديات الجديدة من خلال برامج تستهدف المستويات المحلية من أبرزها تحديد ومساعدة القرى الأكثر فقراً .

·        الاستمرار فى تقديم الحوافز لتدفقات الاستثمار الخارجى لا سيما فى مشروعات السياحة والخدمات .

·        فيما يتعلق بالتشغيل تعطى الحكومة أولوية للمحافظة على مستويات التشغيل الحالية وتنظر فى عدد من السياسات والاجراءات من بينها تأجيل سداد حصة الشركات فى التأمينات الاجتماعية لتخفيف أعباء الانفاق ، وتقديم دعم مادى للشركات والمشروعات المعرضة للركود لمساعدتها فى الاحتفاظ بالعمالة الفنية والماهرة .

قبل أن أختتم حديثى أود الاشارة الى عدد من الاستخلاصات :

v    تواجه الدول النامية بمشكلات انخفاض عائدات التجارة ، وتحويلات العمالة المهاجرة ، وعائدات الخدمات لا سيما السياحة والخدمات المالية ، فضلاً عن تقلص امكانيات الاقتراض وارتفاع المشروطيات المصاحبة لها لا سيما بعد الأزمة ، ونحن لا نرى بديلاً للتعامل مع ذلك سوى بالتدخل المباشر من جانب الدولة بسياسات لحماية الطبقات الفقيرة ومنع تفاقم أثر الاختلالات الكامنة بالاقتصاد العالمى عليها ، وعلى الرغم من قيامنا ببعض الخطوات للتعامل مع الأزمة فاننا نقر بمحدودية الأدوات المتاحة لنا فى هذا الشأن خاصة على ضوء انخفاض تدفقات الاستثمار المباشر ومساعدات التنمية الرسمية .

v     كما يهمنا لفت الانتباه الى أن تجربة الأزمات المالية السابقة تدلل على أن هذه المساعدات هى أول ما يتم الاستقطاع منه من قبل الجهات المانحة الأمر الذى يعنى أن مساعدات التنمية الرسمية التى تتلقاها الدول الافريقية لمشروعات مكافحة الفقر ، وتحسين الدخول ، وزيادة التشغيل لن تعود الى مستوياتها السابقة قبل مرور ما بين 3-4 أعوام من الآن بافتراض تحسن أداء المؤشرات الكلية للاقتصاد العالمى ، وهو أمر ينذر بالخطر وسيعنى تقلص ان لم يكن توقف العديد من المشروعات بالدول النامية والافريقية مع ما يعنيه ذلك من آثار اجتماعية سلبية عميقة .

v    اننا نعكف على دراسة انعكاسات ذلك علينا وعلى الدول التى نرتبط معها بعلاقات اقتصادية قوية خاصة فى مجال التجارة والتنمية ، لكننا نؤكد على أن الدول الافريقية ليست فى وضع يسمح لها بترف انتظار أثر الأدوات التى قد يجرى حالياً النظر فيها على المستوى الدولى لمعالجة الاختلالات فى المدى القريب . ويدعونا ذلك لايلاء مزيد من الاهتمام بتقديم الدعم المادى المباشر للأسر الفقيرة والمحتاجة لتمكينها من تعويض نقص الدخل وقت الأزمات الأمر الذى توفره العديد من محاور أجندة العمل اللائق

وأختتم حديثى بالاشارة الى أن من بين أحد الأفكار الجديرة بالنظر ما يشير لحاجتنا لنظام اقتصادى ومالى جديد يتضمن آليات فاعلة فى عزل التأثيرات الضارة لقطاع ما عن الاضرار بالقطاعات الأخرى ، وأجد أن منظمتنا العريقة يمكنها الاسهام فى استكشاف سبل انشاء نظام كهذا لا سيما فى أمرين على وجه الخصوص :

الأول يتعلق بدعم وحماية الوظائف فى الدول النامية والأقل نمواً ، وبصفة أخص وقت الأزمات العالمية .

الثانى يتعلق بمساعدات التنمية الرسمية بما يكفل الاستدامة الحقيقية لها عبر فصلها عن أية مشروطيات غير ذات صلة من جهة ، وتحريرها من جهة أخرى من تأثير أية أزمات أو تقلبات قد يشهدها الاقتصاد العالمى بين الحين والآخر ، وذلك بهدف زيادة قدرة المجتمع الدولى والشركاء على التنبؤ بمستقبل التنمية المستدامة عبر توفير أحد أهم المتطلبات اللازمة لها وهو التمويل .

وشكراً ،،