تعليق

على موضوع رسالة الماجيستير

 

المقدمة من الباحث

صابر عدلى شاكر عبد الرحمن

المعيد بقسم الاقتصاد والتجارة الخارجية بجامعة حلوان

 

حول معايير العمل الدولية وأثرها على القدرة التنافسية
لصادرات الدول النامية - دراسة مقارنة -

 

وبإشراف الأستاذ الدكتور / عمر محمد عثمان صقر

استاذ الاقتصاد والتجارة الخارجية

 

 

30 يونيو 2008


تقديــــم

أود فى البداية أن أبدى سعادتى بهذه الدراسة القيمة التى تحظى باهتمام بالغ من قبلنا وتعتبر من صميم مسئولياتنا على الصعيد الدولى والاقليمى والداخلى ، ويعد إهتمام الباحث بهذا الموضوع تعبيراً عن وعى بدقائق العلاقة بين معايير العمل الدولية واعتبارات التنافسية الاقتصادية ومدى تعاظم الشرط الاجتماعى فى التجارة الدولية .

فعلى الرغم من أن جوهر معايير العمل الأساسية والتى تتعلق بالحرية النقابية (الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 ، ورقم 98 لسنة 1949) والإقرار الفعلى بحق المفاوضة الجماعية والقضاء على جميع أشكال العمل الجبرى  (الاتفاقية 29 لسنة 1932 ، اتفاقية إلغاء العمل الجبرى 105 لسنة 1959) ، والقضاء على عمالة الأطفال (الاتفاقية 138 لسنة 1976) ويسبق هذه الاتفاقية اتفاقيات لتحديد سن العمل البحرى – الزراعى – الصناعى ، منذ عام 1919 ( والاتفاقية رقم 182 لسنة 1999 ) بحظر أسوا إشكال عمل الأطفال ، والتى جاءت بعد إعلان المبادئ والحقوق الأساسية للعمل ، والقضاء على التمييز فى الاستخدام والمهنة ( الاتفاقية 100 لسنة 1953 ، بشأن مساواة العمال والعاملات فى الأجر عن عمل ذى قيمة متساوية والاتفاقية 111 لسنة 1958 التمييز فى الاستخدام ) .

كل هذه المعايير كانت موجودة قبل منظمة التجارة العالمية ، ولم يصدر إعلان المبادئ والحقوق الاساسية فى العمل إلا فى سنة 1998 ولمواجهة الشرط الاجتماعى فى منظمة التجارة العالمية والتى ناقشت إمكانية توقيع عقوبات على الدول التى لا تراعى المعايير الدولية فى شروط التجارة الدولية .

-  ونظرا لوعى مصر بمعايير العمل الدولية فانها قد صادقت علي جميع الاتفاقيات المتعلقة باعلان المبادئ والحقوق الأساسية للعمل وتعمل على الوفاء بكافة الالتزامات الناشئة عن تطبيق تلك المعايير.

-  والقوانين المصرية فى أغلبها تتوافق مع هذه المبادئ ولكنها - نظرا للتحولات التي تشهدها علي الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية - في حاجة الي المعونات المادية والفنية التي تمكنها من اجتياز هذه المرحلة الصعبة مع الحفاظ علي كافة المبادئ والحقوق الأساسية في العمل .

اما فيما يتعلق بسياسات الحوار الاجتماعي فتولى جمهورية مصر العربية أهمية كبيرة للحوار الاجتماعي في النهوض بالعمالة المنتجة وقد جاءت القوانين المصرية في أغلبها تكرس لذلك ،  مع احترام المبادئ والحقوق ألأساسية في العمل .

والحكومة لها دور في المفاوضة الجماعية للحفاظ على علاقات العمل متوازنة ومستقرة .

وقد حرصت مصر على التصديق على كافة المواثيق الدولية والإقليمية المتعلقة بالطفل وحمايته ورعايته وتم تعديل ذقانون الطفل بما يتفق مع المواثيق الدولية من حيث :

-       حق الطفل في الحياة والبقاء والنمو في كنف أسرة متماسكة .

-  التمتع بمختلف التدابير الوقائية والحماية من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو المعنوية أو الجنسية أو غير ذلك من أشكال إساءة المعاملة والاستغلال .

-       الحماية من أي نوع من أنواع التمييز بين الأطفال

وبالنسبة لجهود مصرلإزالة كافة أشكال التمييز التي يمكن أن تتعرض لها المرأة في بيئة العمل والمزايا التي تحصل عليها المرأة المصرية ، تقوم الحكومة بتشجيع مشاركة المرأة في الأنشطة الإنتاجية .

-  كما تسعى الحكومة إلى إيجاد حلول للمشكلات التي تواجه المرأة العاملة مثل تفضيل عمالة الذكور وتجنب تشغيل النساء من قبل العديد من منشآت القطاع الخاص ، ندرة توظيف النساء في مراكز وظيفية مرتفعة الأجر ، غياب التسهيلات والخدمات المقدمة للمرأة العاملة الأم مثل توفير حضانات مؤهله وآمنة ، بأسعار مناسبة وقريبة من مناطق  العمل ، صعوبة ظروف عمل المراة في القطاع غير المنظم وانعدام الحقوق القانونية .

  أماعلي مستوي السياسة الاقتصادية, فان الحكومة المصرية تركز ضمن أولوياتها على تفعيل دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي وتفعيل آليات السوق وتشجيع الاستثمار الوطني والدولى 

-  كما تعمل الحكومة بمختلف أجهزتها وهيئاتها علي تنمية السياسات والاجراءات الخاصة بتدعيم القدرات التنافسية للمشروعات مع التركيز علي رفع كفاءة وقدرات المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر نحو القطاعات كثيفة العمالة بما يؤتي بثماره علي الاقتصاد المصري

واود أن اوضح ان هناك ضرورة لالتزام الشركات متعددة الجنسية - بصفتها محرك الاستثمار الأجنبي المباشر - بالحوار الاجتماعي لضمان تحقيق الاستقرار في علاقات العمل وتحقيق شروطه العادلة وظروفه الملائمة ، ولكي تكون هناك علاقات عمل متوازنة تحقق مصلحة أصحاب الأعمال والعمال .

اما بعد فاننى أود أن أطرح بعض الاسئلة التى تثيرها الدراسة وهى :

متى بدأت المعايير ولماذا التركيز عليها الآن ومتى بدأ تأثيرها  ؟

مجموعة من التساؤلات لا بد من طرحها ومحاولة الإجابة عليها

ولماذا لم يتم التساؤل عن اسباب إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية فى العمل فى مؤتمر العمل الدولى سنة 1998 ، ( الدورة 93) من جانب منظمة العمل الدولية ؟

وبالنسبة للفرضــيـة :

أتصور انه كان ينبغى وضع صياغة الفرضية على النحو التالى :

       إلى أى حد يقوم ادراج الشرط الاجتماعى فى التجارة الدولية بدور وأثر فى القدرة التنافسية لصادرات الدول النامية .

      ولا بد من إيضاح أن منظمة العمل الدولية هى المنظمة ذات الاختصاص الأصيل بالطلبات المرتبطة بالعمل ،وتعتمد على الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل دولة  ، وتقوم على مبدأ الثلاثية ( الحكومات – منظمات اصحاب الاعمال – منظمات العمال ) .

      اما منظمة التجارة العالمية فانها منظمة حكومية ولكنها ادركت شروطاً اجتماعية تمثل تدخلاً فى اختصاصات منظمة العمل الدولية .

      كما نود أن نؤكد على انه لا بد من الالتزام بالمعايير العامة وليس الخاصة بكل شركة أو بكل منطقة جغرافية .

بالنسبة للتوصيات :

         التوصية الرابعة الرد عليها هو أن هناك إدارة مختصة بالمعايير الدولية للعمل ومستويات العمل الدولية بوزارة القوى العاملة والهجرة المعنية .

       كما أن التوصيات لم تتطرق إلى توصيات للدول النامية لمواجهة الشرط الاجتماعى بمنظمة التجارة العالمية للتوافق مع عنوان الرسالة ، وإنما تطرقت لأثر المعايير على إنشاء منطقة التجارة الحرة بين مصر والولايات المتحدة فحسب

 

معايير  العمل الدولية

وتأثيرها علي تنافسية صادرات الدول النامية

تقديــــم :

تعتبر جولة اورجواى سنة 1994 هى الجولة الاخيرة من جولات المفاوضات التجارية متعددة الاطراف التى مهدت لقيام منظمة التجارة العالمية مع بداية عام 1995.

وقد اوجدت هذا الإطار القانوني الذى تم النص فيه على خفض شامل للتعريفات الجمركية لتصل إلى نسبة 40 % وكذلك وضع إطار متعدد الأطراف للضوابط المتعلقة بتجارة الخدمات وحماية حقوق الملكية الفكرية وتوفير متطلبات التجارة متعددة الأطراف وبخاصة في قطاع الزراعة وقطاع النسيج والملابس .

وبإنشاء منظمة التجارة العالمية تم التأكيد على ان ذلك يعد مرحلة تاريخية جديدة للتعاون الاقتصادي العالمي تستجيب للرغبة العامة في العمل ضمن إطار نظام تجاري متعدد الأطراف أكثر عدلاً وانفتاحاً يخدم رفاهية الشعوب ورخاءها.

 وقد أكد الوزراء المشاركون في إعلان قيام المنظمة العالمية للتجارة العزم على مقاومة الضغوط الحمائية بكل أنواعها، وأن القواعدالقانونية المتينة  ستؤدي حتماً إلى إشاعة مناخ تجاري عالمي أكثر انفتاحاً. وتم الإعلان عن  العزم على العمل لتحقيق انسجام أكبر على المستوى العالمي للسياسات المتبعة في المجالات التجارية والنقدية والمالية

وتضمنت نتائج المفاوضات ضرورة القيام بإجراءات تعود بفائدة أكبر على اقتصاديات البلدان النامية وإيلاء الوضع الاستثنائي للبلدان الأقل نمواً عناية خاصة وضرورة مواصلة دعم الإمكانات المتاحة للبلدان النامية والبلدان الأقل نمواً وبخاصة في مجال التجارة وتيسيرها والاستثمار

وكان من المقرر أن المؤتمر الوزاري والأجهزة المختصة للمنظمة العالمية للتجارة ستتابع بشكل دوري نتائج وأثر اتفاقيات جولة الأوروجواي على البلدان الأقل نمواً المستوردة لمعظم حاجاتها من المعدات والآلات والمواد الغذائية بقصد اتخاذ إجراءات إيجابية تمكنها من بلوغ أهدافها التنموية. وأن تؤدي اتفاقية الجات وقيام المنظمة العالمية للتجارة إلى تقديم المساعدة التقنية المتزايدة في مجالات اختصاصها وبخاصة ما يتعلق بزيادة نسبة الدعم المقدم للبلدان النامية.

وأقرت الوثيقة الختامية لاتفاقية الجات حق الدول النامية في التنمية, وحث كافة الدول الأعضاء على مراعاة ظروف التنمية في هذه الدول, واحتياجاتها المالية والتجارية, إلا إن ذلك لا يغير من حقيقة أن كافة الامتيازات التي حصلت عليها الدول النامية في الاتفاقات ككل, إنما تهدف في المقام الأول الى تيسير التزام الدول النامية بأحكام الاتفاقية في إطار تحرير التجارة الدولية مع ضمان عدم إخلالها بحقوق البلدان الأخرى وخاصة الأعضاء.

 وقد تم فتح تسهيلات بصورة حوافز مؤقتة للدول النامية تساعدها على إعادة هيكلة اقتصاداتها وتعديل تشريعاتها وسياساتها التجارية الوطنية لتتلاءم مع الفكر الجديد لتحرير التجارة الدولية بمفهومه الشامل

اتفاقيات الجات والتنافسية :

يرتبط  في هذا السياق موضوعان هما:

خفض التعريفة الجمركية و إدراج الشرط الاجتماعي الذي يتعلق بمعايير العمل الدولية في صلب اتفاقيات التجارة الدولية .

اولاًخفض التعريفة الجمركية:

-  وفقا لشروط اتفاقية الجات يؤدي خفض التعريفة الجمركية إلي ضعف المقدرة التنافسية للمنتجات المحلية- وهذا الأمر ينطبق علي مصر وغيرها من بلاد العالم النامي - الذي يؤدي بدوره إلي إغلاق المصانع غير القادرة علي رفع مقدرتها التنافسية ويترتب علي ذلك زيادة البطالة0

-   إن هؤلاء المتعطلين هم ضحايا العولمة المتوحشة حيث يتوجه أغلب هؤلاء المتعطلين إلي العمل في القطاع غير المنظم0

 وهنا في مصر أنشأت الحكومة صندوقا لتمويل الصناعات الصغيرة ودعمها بالقروض وقدمت للصناعات الصغيرة التسهيلات التسويقية والتدريب اللازم لرفع كفاءة هذه المشروعات الصغيرة وتمكينها من استيعاب العمالة لتقليل الأثار الناجمة عن العولمة

ثانياً الشرط الاجتماعي :

الأمر الثاني الذي فرضته اتفاقية التجارة العاليمة  هو ما يسمي بالشرط الاجتماعي 0

سعت الدول الكبرى في الجات لإدراج بعض الضمانات فى اتفاقيات تحرير التجارة الدولية حتى يقترن فتح الأسواق بمراعاة معايير العمل الأساسية التي لا يجادل أحد في أنها ضرورية لمصلحة العمال -على البلدان المصدرة كشرط لنفاذ منتجاتها إلى البلدان الأخرى.

وبشكل أكثر تحديدا سعت هذه الدول لإقامة صلة بين تحرير التجارة من جانب ومراعاة تلك المعايير من جانب أخر.

 ليس هذا فحسب بل سعت  إلي إنشاء آلية عقابية للدول التي تخالف أحكامها لكي تصبح هذه المعايير واجبة التطبيق كأصل عـام في مجال التجارة الدولية السلعية.

وكما ترون معاليكم أن  ذلك يعتبر تدخلا في الاختصاص الأصيل لمنظمة العمل الدولية ألا وهو وضع مستويات العمل الدولية عن طريق الاتفاقيات التي تبرمها وتصدق عليها الدول الأعضاء 0

وكما هو معروف  فإن منظمة العمل الدولية في إصدارها للاتفاقيات التي تمثل مستويات العمل الدولية تعتمد على أسلوب التمثيل الثلاثي وهذا الأسلوب يضمن مشاركة أصحاب الشأن في تحديد تلك المستويات عكس الأمر بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية التي هي منظمة حكومية.

 والأمر الثاني هو أن إدخال ذلك الشرط الاجتماعي في صلب اتفاقيات التجارة الدولية لا يهدف فقط الى حماية عمال البلاد النامية التي تحاول تصدير قليل من منتجاتها إلي تلك البلدان المتقدمة وإنما يهدف اساساً لمنع تلك الدول النامية من تصدير ذاك القليل من تلك المنتجات التي تحاول تصديرها فيما يعرف بالإغراق الاجتماعي قياسا علي الإغراق الاقتصادي.

 إن إدراج الشرط الاجتماعي بهذه الطريقة التعسفية وبدون استخدام الآلية الثلاثية إنما يهدف لإيجاد وسيلة ضغط مستمرة لحرمان الدول النامية من ميزة نسبية ألا وهي ميزة العمل المنخفض التكلفة0

وقد تنبهت منظمة العمل الدوليةالى اقرار الشرط الاجتماعى فى منظمة التجارة العالمية والربط ين معايير العمل الاساسية وحرية التجارة  وسارعت الي اصدار اعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل عام 1998 الذي تضمن و جوب احترام الدول  الاعضاء فيها للمبادئ والحقوق الأساسية في العمل وهي :

1. الحرية النقابية والحق في التفاوض الجماعي .

2.  القضاء علي جميع اشكال العمل الجبري أو الالزامي .

3.  وحظر عمالة الأطفال .

4.  والقضاء علي التمييز في الاستخدام والمهنة وذلك حتي لو لم تكن قد صدقت علي الاتفاقيات التي أوجبت هذه الحقوق أو المبادئ .

وقد تم ترجمة اعلان المبادئ والحقوق الاساسية  فى العمل فى ثمانى اتفاقيات  هى :

-       اتفاقية 29 المتعلقة بالعمل الجبرى 0

-       اتفاقية 105المتعلقة بالغاء العمل الجبرى 0

-       اتفاقية87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم 0

-       اتفاقية 98 المتعلقة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية 0

-   اتفاقية 100 المتعلقة بالمساواة بين العمال والعاملات فى الاجر عن عمل ذى قيمة     متساوية.

-       اتفاقية 111 المتعلقة بالتمييز  بالاستخدام والمهنة  0

-       اتفاقية 138 المتعلقة بالحدالادنى لسن الاستخدام  0

-       اتفاقية 182 المتعلقة بأسوأ أشكال عمالة الطفل 0

 

وقد شهدت أعمال المؤتمر الوزارى للاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) والذى عقد بمراكش بالمغرب فى ابريل 1994،- والذى طرحته الدول الصناعية- المتقدمة طرح موضوع "الشرط الاجتماعى"، والذى يقصد به ربط المسائل التجارية مع حقوق العمال ومعايير العمل الدولية التى حصلت على عدد كاف من التصديقات فى إطار منظمة العمل الدولية، وتضم هذه فيما تضم، الحقوق الأساسية للعمل، سواء كان ذلك فى مجال حرية التنظيم والتعبير والمفاوضة الجماعية أم حظر العمل الجبرى والتمييز فى المعاملة، وكذلك كفالة الحد الأدنى للأجور وساعات العمل والاجازات والصحة المهنية.

 كما شددت الدول الصناعية على موضوعى عمل الأحداث وحماية المرأة العاملة، وتسعى الدول الصناعية إلى حظر تصدير السلع المنتجة من قبل الأحداث والعاملين بالسخرة والمساجين، وشروط العمل المتدنية بشكل عام، وكان المندوب الامريكى قد أثار هذا الموضوع قبل ايام من انعقاد المؤتمر مهددا بأن امريكا ستقوم بعرقلة التوقيع على الاعلان الوزارى لاتفاقية الجات فى حالة مالم يدرج الشرط الاجتماعى ضمن نص إعلان مراكش، كما فى برنامج عمل المنظمة العالمية للتجارة والتى كان من المزمع إقامتها، وتضامنت بعض الدول الصناعية مع هذا الطرح ولاسيما فرنسا، واستطاع المدير العام للاتفاقية أن يتفادى الأمر بعقد صفقة مابين معارضى ومؤيدى ربط المسائل التجارية بالشرط الاجتماعى، بحيث لاتقوم الولايات المتحدة بطرح هذا الموضوع فى الاعلان الوزارى على أن يسمح لها حقا برفعه أمام اللجنة التحضيرية للمنظمة العالمية للتجارة، التى ستحل محل اتفاقية الجات بدءا من عام 1995، ولمواجهة هذا الأمر قامت الدول النامية بتشديد معارضتها للملف الاجتماعى فى مؤتمر مراكش.

 وطالبت عبر ممثل دولة الهند بإدراج مسألة سياسات الهجرة الصارمة التى تعتمدها الدول الغربية على جدول أعمال منظمة التجارة العالمية، وذلك باعتبار وجود علاقة مباشرة بين سياسات الهجرة والتجارة الدولية، واعتبرت الدول النامية أن فرض حد أدنى من المعايير الاجتماعية لايمثل سوى إجراءات حمائية تعتمدها الدول الصناعية المتقدمة لتقييد قدرات الدول النامية فى تصدير سلعها، والتى تكمن ميزتها النسبية فى تدنى تكلفة عنصر العمل، وذلك فى مقابل خفض الرسوم والحواجز الجمركية .

 وتسعى الدول الصناعية المتقدمة إلى تشديد سياساتها هذه فى ظل ارتفاع حصة صادرات الدولة النامية، ومن أهمها صادرات جنوب شرق آسيا ودول أمريكا اللاتينية، ووفقا لبعض التقديرات، فإن الأضرار التى تلحق بالدول النامية نتيجة تطبيق القيود غير الجمركية تفوق قيمة تدفقات المعونة إليها، ووفقا للتقديرات ايضا فإنه إذا ألغت البلدان الصناعية المتقدمة جميع الحواجز التى تفرضها على السلع القادمة من الدول النامية، فإن الزيادة المحققة فى صادرات الأخيرة ستكون قيمتها ضعف ماتتلقاه هذه الدول من معونات، وتقدر الأضرار بالنسبة للمنسوجات والملابس فقط بأكثر من 50 مليار دولار (49) سنويا بالنسبة للدول النامية.بالاضافة الى ان اختلال التقسيم الدولى للعمل، وفرض قيود صارمة على الهجرة من قبل الدول المتقدمة إلى الدول النامية، من شأنه أن يسلب الدول النامية كفاءاتها ومهاراتها باتجاه الدول الأكثر تقدما، وتؤدى هذه السياسة إلى استنزاف الأدمغة والعمالة الماهرة من الدول النامية والتى تخسر بذلك رأس المال البشرى المكون لديها.

        ومن جهة مقابلة تعمد البلدان الصناعية إلى استبعاد العمالة غير الماهرة من الدول النامية بحجة زيادة نسبة البطالة لديها. وجدير بالذكر أن نحو 30 مليون عامل من مجموعة الدول الصناعية يعانون من البطالة، ويكاد يجمع المراقبون على انه لايجوز تحميل الدول النامية مشاكل البطالة فى الدول المتقدمة وذلك ان المستويات العالية للبطالة والتى تعانى منها الدول الصناعية تعود بشكل رئيسى إلى وسائل وأساليب وعلاقات الانتاج التى اعتمدتها هذه الدول، وكذلك ارتفاع مستوى الانتاجية المعتمدة على كثافة رأس المال والتطور التكنولوجى العالى، هذا وقد تم إدراج بندى الهجرة والشرط الاجتماعى على جدول أعمال اللجنة التحضيرية للمنظمة العالمية للتجارة وقد عملت  الدول الصناعية على تحسين موقفها التفاوضى فى هذه الأمور، إذ عمدت الدول الأثنتا عشرة الأعضاء فى الاتحاد الأوربى فى اجتماع لوكسمبورج 20/6/1994، اى بعد توقيع اتفاق الجات، إلى التعهد بالعمل على الحد بشكل صارم من دخول العمال المهاجرين إلى دول الاتحاد الاوربى، وبموجب هذا القرار لن يحصل العمال المهاجرون على عمل فى الاتحاد الأوربى إلا إذا كانوا من الأيدى العاملة التابعة لدول الاتحاد الأوربى، ويأتى هذا الإجراء كاستباق لحسم الجدل حول موضوع تخفيف القيود المطبقة على الهجرة لصالح الدول النامية.

وتكمن الخطورة الحقيقية فى فرض الشرط الاجتماعى وربطه بالمسائل التجارية فى انه قد ينتج عن هذا فرض عقوبات تجارية واقتصادية بحق الدول التى لاتطبق المعايير الدولية للعمل، وقد يكون لذلك أبعاد مضاعفة فى حالةما اذا تم ربط آليات منظمة التجارة العالمية مع الآليات التى يطبقها صندوق النقد الدولى، والبنك الدولى، الأمر الذى قد يحرم الدول النامية من برامج المعونة التى تقدمها هاتان المنظمتان.

·  تعد الاتفاقيات السابق ذكرها وبنودها أبرز ملامح اتفاقية جولة اورجواى فى إطار الجات فى المجالات المختلفة، ونتابع  دراسة الآثار التى ستسفر عنها هذه الاتفاقيات على اقتصاد الدول العربية كجزء من الدول النامية بشكل عام.

يعد ربط المسائل التجارية مع معايير العمل الدولية نوعاً من التدخل الواضح في الشئون الداخلية ومس السيادة في الدولة وبخاصة في الدول النامية التي يعمل فيها الأحداث وظروف العمل غير المناسبة وهذا يوضح لنا خطورة الشرط الاجتماعي.

لقد تم إدراج الشرط الاجتماعي في اتفاقيات التجارة المتعددة الأطراف تحت مظلة المنظمة العالمية للتجارة ،  مجموعات كثيرة في مختلف دول العالم ترى أن هذا البند الاجتماعي ربما يشكل إجراء حمائي ولكنه مكشوف ولن يتمكن من حماية حقوق العمال لا في الدول المتقدمة ولا في الدول النامية ايضاً، كما أن آثاره غير مؤكدة لأسباب عديدة منها :

-    ضعف العلاقة بين التجارة ومعايير الحقوق العمالية.

- من الممكن أن تأتي العقوبات التجارية الواردة في الشرط الاجتماعي بنتائج عكسية، بحيث تلحق الضرر بالعمال في البلدان النامية بدلاً من مساعدتهم.

- كما أن هذه العقوبات قد تزيد من عوائق إمكانية وصول منتجات البلدان النامية إلى الأسواق العالمية.

- ينطبق البند الاجتماعي على قطاعات الإنتاج المخصصة للتصدير فقط، وهذه القطاعات لا توفر إلا جزءاً يسيراً من فرص العمل، وبخاصة عمالة الأطفال.

-    لن تساعد العقوبات التي نص عليها البند الاجتماعي على محاربة الفقر.

- من الممكن أن يكون الشرط الاجتماعي أداة قوية بالنسبة لدولة كبيرة وغنية، لكن هذا الشرط بالنسبة لدولة صغيرة نامية فإن تأثيره ضعيف جداً. وربما يكون للعقوبات التجارية تأثير مدمر أكبر على بلد صغير لا يصدر سوى بضع سلع أساسية.

- إن عملية تسوية النزاعات باهظة التكاليف وتتطلب خبرة فنية قانونية دولية عالية لا تمتلكها البلدان النامية. ولن تتمكن البلدان الفقيرة من مقاضاة البلدان الغنية.

 

(ما هي بعض البدائل للعقوبات التجارية ؟

-  اتخاذ تدابير تمكن من إنفاذ معايير العمل الأساسية التي وضعتها منظمة العمل الدولية.

-  وضع برامج مشتركة لأصحاب العمل والحكومات لتحسين حقوق العمال. ومن أمثلة ذلك برامج منظمة العمل الدولية المناهضة لعمل الأطفال التي تبني على مبادرات ناجحة توفر التعليم في باكستان وبنجلاديش .

-  اتخاذ مبادرات لتشديد مسائلة الشركات، بما في ذلك وضع مدونات لسلوك الشركات تحترم معايير العمل الأساسية، مع تنفيذ تلك المدونات ورصدها رصداً مستقلاً.

-   اتخاذ إجراءات من جانب المستهلكين مثل وضع البطاقات وحملات المقاطعة لإيجاد حوافز في السوق لرفع مستوى معايير العمل).

          إن ما يلزم لحماية حقوق العمال وتحسين أحوالهم في البلدان النامية ليس الشرط الاجتماعي بل زيادة الاستثمارات والنمو الاقتصادي الذي يخلق فرصاً للعمل أكثر، وقوانين وطنية أقوى. إلى جانب اعتماد معايير محددة من جانب القطاع الخاص المحلي ومن جانب الشركات الأجنبية.

         وان على الذين يطالبون بإطلاق حرية التجارة العالمية إقامة تجمعات ومناطق إقليمية اقتصادية في بداية الأمر كما يحدث الآن في أمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا, وأن تكون مثل هذه التجمعات منطلقاً لعقد اتفاقيات ثنائية مع الحفاظ على حرية انتقال التكنولوجيا ورأس المال من منطقة إلى أخرى ومن تجمع اقتصادي إلى آخر.

كيف يتم مواجهة ذلك ؟  

أولا- التكامل الاقتصادي :

 لا سبيل أمامنا لتجنب آثار العولمة سوي أن تتضافر جهود بلادنا لتحقيق التكامل الاقتصادي وذلك من خلال العمل المشترك على إزالة الحواجز والقيود بين بلادنا بالإضافة إلى وجوب التنسيق والتجانس في السياسات الاقتصادية لتحقيق هذا التكامل 0

إن هذا التكامل يمكن تحقيقه من خلال زيادة التخصص ومن خلال زيادة حجم التبادل بيننا.

     وكذلك تنشيط المنظمات و الاتحادات الإقليمية المنتشرة في قارة أفريقيا علي سبيل المثال  في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها وصولا إلى السوق الأفريقية المشتركة

   إن هناك ما يزيد علي مائتي منظمة في قارة أفريقيا منها مائة وستون منظمة بين الحكومات وتتراوح هذه المنظمات مابين منظمات اقتصادية ومنظمات للتنمية ومنظمات لتقديم خدمات فنية وهيئات مالية .

ولو نشطت تلك التجمعات الاقتصادية والسياسية لترتب علي ذلك توسيع الأسواق تجاه المنتجات الأفريقية وتشغيل عمالتها .

ثانيا تبادل الخبرات :

  أما السبيل الثاني المتاح فهو تبادل الخبرات بيننا فكل دولة لها تجاربها وخصوصياتها في هذا المجال وتبادل هذه الخبرات يثري الجميع    0