السيد الرئيس

أصحاب المعالي السادة الوزراء

السيد المدير العــام

السيد رئيس مجلس الإدارة

السيدات والسادة رؤساء وأعضاء الوفود

يطيب لي في البداية أن أهنئكم سيادة الرئيس على انتخابكم رئيسا لهذه الدورة ، متمنية لكم ولهيئة المكتب التوفيق والنجاح .

لقد اطلعنا باهتمام على تقرير رئيس مجلس الإدارة والخاص بأنشطة منظمة العمل الدولية ، والذي يستعرض ويقوم أنشطة المنظمة الرامية لتفعيل مفهوم العمل اللائق وتطبيق الأهداف الإستراتيجية الأربعة للمنظمة .. وفي هذا الصدد نود الإشارة إلى الملاحظات التالية :

أولا     إن قدرة المنظمة على تحقيق أهدافها والاضطلاع بمهامها بصورة فعالة ، يعتمد إلى حد كبير على كثافة وتنوع وفاعلية برامج التعاون الفني بما يعزز من قدرة الدول النامية على تحقيق أهداف التنمية المستدامة ، ولا شك أن من أهم عناصر توسيع نطاق أنشطة وبرامج التعاون الفني ، ورفع كفاءتها ، التقييم المستمر لسياسة المنظمة الهادفة للمشاركة النشيطة في دعم أنشطة الشركاء الاجتماعيين وتزويدهم بالخبراء المتخصصين باعتبارها من أهم الوسائل لإقامة حوار بناء بين المنظمة وهؤلاء الشركاء ، بما يتيح إمكانية التعرف بدقة على احتياجات الدول ، وتقديم المساعدة اللازمة في هذا الإطار .       

ثانيا إن السعي لتحقيق أهداف العمل اللائق وتحقيق عالميته . أمور تستحق الإشادة والتقدير ، إلا أنه في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم فيما أصبح يعرف بالعولمة بتجلياتها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد أنتجت أثارا خطيرة على كافة أوجه الحياة ، وكانت أثارها السلبية أكثر وضوحا على حياة الفئات الفقيرة كالعمال لاسيما منهم الفئات المهمشة كالعمالة المهاجرة وأفراد أسرها ، وذوي الاحتياجات الخاصة ، وضحايا الأمراض المتوطنة ومصابي فيروس نقص المناعة المكتسبة . والعاملين في القطاع غير المنظم ، والنساء اللاتي تعانين من التمييز في العمل والأجر .

ومن البديهي أن هذه التطورات إنما تستدعي لمعالجة أثارها السلبية مزيدا من الحماية الاجتماعية ، وذلك من أجل تيسير عملية الانتقال بين الوظائف المختلفة من جانب ، والتعامل مع ظاهرة البطالة وأثارها الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة من جانب ثان ،و تحسين أحوال الفئات المهمشة من جانب ثالث ، فضلا عن محاولة تصحيح القطاع غير المنظم والعمل على إدماجه – قدر الإمكان – في القطاع المنظم . كما تستدعي من ناحية أخرى العمل على تحقيق التوازن بين التحرير الاقتصادي والتجاري المدفوع بالتطورات التكنولوجية من جهة ، والاستقرار الاجتماعي والضمانات الإنسانية من جهة أخرى .

وكما تعلمون حضراتكم فإن الحماية الاجتماعية هي إحدى المكونات الأربعة لأجندة العمل اللائق الخاصة بمنظمة العمل الدولية كما عبر عنها السيد المدير العام لمكتب العمل الدولي في تقريره عن "العمل اللائق" عام 1999 . والذي عبر عنها مرارا فيما بعد وركز عليها في تقريره الصادر عام 2003 والمعنون "الخلاص من الفقر"

السيدات والسادة

إن جهود تحقيق مفهوم العمل اللائق على المستوى الوطني لن تكون فعالة في ظل هذه التحديات ما لم تتضافر الجهود الدولية لإقامة بنية اقتصادية دولية مواتية ، ووضع استراتيجيات ترمي إلى توفير فرص العمل ومحاصرة الفقر . وغني عن البيان  أن البطالة هي إحدى الآليات الرئيسية لتوليد الفقر والتهميش الاقتصادي ، لأنها تعني بكل وضوح حرمان المؤهلين والقادرين على العمل سواء كانوا غير متعلمين أو كانوا يحملون شهادات إتمام مستويات مختلفة من التعليم ، من كسب العيش بكرامة من خلال عملهم ، بما يترتب على ذلك من دفع هؤلاء العاطلين إلى هوة الفقر والاعتماد على الغير واستنزاف المدخرات ، وهو الأمر الذي يجعل من التشغيل ومواجهة البطالة مدخلا لازما لتجفيف أحد المنابع الرئيسية للإفقار والتهميش الاقتصادي والاستبعاد الاجتماعي ، ومن ثم يصبح أي حوار يستهدف إيجاد إطار اقتصادي سليم للنمو بهدف الحد من الفقر مشتملا بالضرورة على التشغيل ، حيث
لا سبيل إلى القضاء على الفقر إلا إذا تمكن الاقتصاد من خلق الاستثمار والوظائف وتوفير سبل الرزق المستدامة .

وهكذا يصبح النهوض بالعمالة المنتجة مع احترام المبادئ والحقوق الأساسية في العمل وكفاية الدخل الناتج عن العمل وتأمين الحماية الاجتماعية هما أساس العمل اللائق الذي من شأنه أن يؤدي إلى جانب التقليل من حجم البطالة إلى زيادة الدخول وتحسين الظروف المعيشية والقضاء على الأمراض والحد من عمالة الأطفال وتقليل هجرة الكفاءات

وفي ذات السياق ، يتعين على منظمة العمل الدولية تعبئة الموارد من ميزانيتها العامة ومن خارج الميزانية لتلبية احتياجات الدول الأعضاء خاصة النامية فيها في مجال تنمية الموارد البشرية والتدريب المهني ، وهما من أهم سبل تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية ، حيث تتطلب مواجهة الفجوة الكبيرة التي تعاني منها كثير من الدول بين مخرجات التعليم وبين متطلبات سوق العمل ، أهمية توفير التدريب  وخاصة برامج التدريب الفني والتحويلي كمعبر سريع لتضييق الفجوة بين جانبي العرض والطلب لسوق العمل ، ولتحقيق مرونة أكبر للعمالة لتكون أقدر على التجاوب مع التغيرات التكنولوجية التي قد تتطلب الانتقال بين القطاعات المختلفة ، وكمدخل أساسي أيضا لصناعة التكنولوجيا المتقدمة وتحقيق مستوى أعلى من التنافسية في السوق العالمية وتطوير الإنتاج ومستوى الإنتاجية .

السيدات والسادة

انطلاقا من حرص مصر الدائم وسعيها الدؤوب على مواكبة معايير العمل الدولية ، قامت بالتصديق على أربعة وستين اتفاقية لمنظمة العمل الدولية من بينها الاتفاقيات الثماني التي تضمنها الإعلان الخاص بالمبادئ والحقوق الأساسية في العمل وجاء قانون العلم المصري الجديد رقم 12 لسنة 2003 والقرارات الوزارية المنفذة له متواكبا مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العالمية من جانب ، ومع كافة الاتفاقيات والتوصيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية من جانب أخر ، وذلك إدراكا من مصر لضرورة الحفاظ على القوى البشرية وأهمية تحقيق بيئة وشروط عمل لائقة وسليمة ، وهو ما يعكس بدوره مدى التزامنا باحترام مستويات العمل الدولية وسلامة تطبيقها والمحافظة على حقوق العمال .

وفي هذا السياق جاء تأكيد السيد الرئيس / محمد حسني مبارك مرارا على وجوب الحوار والتعاون بين الشركاء الاجتماعيين في مصر ، وتوجيهات سيادته بضرورة دعم وزارة القوى العاملة والهجرة في اضطلاعها بدورها في هذا الصدد .


السيدات والسادة

نحن نتفق تماما مع ما انتهى إليه التقرير من التأكيد على الحاجة إلى مبادرات غير تقليدية تضطلع بها الحكومات بالتعاون مع النقابات وأصحاب العمل ليكونوا أكثر فاعلية في جعل المساواة حقيقة واقعة في مكان العمل ، وجعله هدف عام للبرامج القطرية للعمل اللائق والعمل على استكمال التدابير السياسية لمكافحة التمييز وإيجاد الآلية المناسبة لتنفيذها بطريقة فعالة ، للقضاء على التمييز في العمل ، انطلاقا من إيماننا بضرورة تكافؤ الفرص والمساواة فيا لمعاملة بين كل أفراد المجتمع .

وفي إطار إدراكنا بأن قضية عمالة الأطفال أضحت تمثل وبحق قضية اجتماعية وأخلاقية لم يعد من الممكن أو من المسموح إهمالها أو التباطؤ في إيجاد الحلول الحاسمة لها ، ولاسيما في نطاق السعي نحو القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال ، بما تنطوي عليه من أشكال عديدة لاستغلال الأطفال وتسخيرهم في أعمال غير مؤهلين جسديا ونفسيا للقيام بها ، تترك أثارها السلبية والخطيرة على جسد المجتمع بصفة كلية وعلى الأطفال بصفة خاصة ، وتؤدي إلى إدامة الفقر وإضعاف جهود النمو الاقتصادي والتنمية فقد تبنينا في مصر إستراتيجية واضحة للقضاء على عمالة الأطفال ، من خلال استنفار وحشد جهود المجتمع وقواه الحية والفاعلة اقتصاديا واجتماعيا ، فضلا عن مؤسسات المجتمع المدني ، من أجل التنفيذ الفعال لهذه الإستراتيجية التي تبدأ باتخاذ كل الإجراءات الممكنة لتجفيف المنابع الرئيسية لعمالة الأطفال وعلى رأسها الفقر والتسرب من التعليم – على سبيل المثال – حيث ننفذ الآن مشروعا لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال من خلال التعليم بالتعاون مع منظمة العمل الدولية ومنظمة اليونيسيف وبرنامج الغذاء العالمي بهدف سحب 4300 طفل من سوق العمل وإلحاقهم بالتعليم ، وحماية 6000 طفل آخرين من المعرضين لخطر الانضمام إلى سوق العمل وضمان إلحاقهم بالمنظومة التعليمية .

وحيث تجدر الإشارة هنا أن مصر كانت من أوائل الدول التي تعاونت مع البرنامج الدولي للقضاء على عمل الأطفال PEC التابع لمنظمة العمل الدولية للحد من عمل الأطفال في مصر ، وقامت بمواءمة التشريع المصري وفقا لأحكام الاتفاقيات ذات الصلة .

السيدات والسادة

لا يفوتني في هذا السياق أن أنوه إلى الوضع المتردي للعمال العرب والذين يعانون الأمرين من جراء الاحتلال وضغوطه في كل من الأراضي الفلسطينية والجولان السوري ومزارع سبعا اللبنانية المحتلة .

ولقد أكدت تقارير الأمم المتحدة وتقارير المدير العام لمنظمة العمل الدولية مرارا وتكرارا على ضرورة العمل على إزالة العقبات والمعوقات التي تعترض طريق كل من العمال وأصحاب الأعمال في هذه المناطق والانتهاكات الصارخة التي يتعرضون لها .

ونحن في هذا المحفل الدولي المهم نعيد التأكيد على وجوب احترام حقوق العمال وأصحاب الأعمال في هذه الأراضي إعمالا للمواثيق الدولية واتفاقيات وإعلانات منظمة العمل الدولية ذات الصلة .

وأخيرا فإنني على يقين من أن نتائج أعمال مؤتمرنا هذا ستحقق الأهداف التي من أجلها اجتمعنا وستسهم في تحقيق مراميه الأساسية في تفعيل وتطوير أداء المنظمة نحو مزيد من المكاسب التي تكفل رفع معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير الحياة الآمنة وفرص العمل اللائق داخل أوطاننا .

وفقنا الله وإياكم ..،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .