
فـــــي
ورشة العمل شبه
الإقليمية
التي تنظمها
الوزارة بالتعاون مع
المركز الأفريقي
الإقليمي للإدارة العمالية (آرلاك)
عن الإدارة
العمالية في ظل العولمة
خلال الفترة من 25
– 29 مارس 2007
فندق سونســتا – القاهـرة
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها
السيدات والسادة
يسعدني أن ألبي دعوتكم الكريمة في حضور هذا اللقاء الهام
الذي تنظمه وزارة القوى العاملة والهجرة بالتعاون مع المركز الأفريقي الإقليمي
لإدارة العمل (آرلاك) .
كما يسعدني أن أتوجه بالشكر إلى السيد / باينباري –
مدير المركز على الجهد المتميز الذي يبذله من أجل تقديم الدعم الفني لوزارات العمل
ومنظمات العمال وأصحاب الأعمال بالدول الأفريقية أعضاء المركز بهدف تطوير تدعيم
دور الإدارة العمالية حتى تتواكب مع التطورات الإقليمية والعالمية .
و يطيب لي أيضا
أن أرحب بالأخوة الأشقاء الأفارقة في مصر بلدهم الثاني
وأذكر
بالروابط المتعددة والعميقة التي تربطنا فنحن ننتمي لأرض واحدة ونحن في مصر نعتمد
علي نهر النيل الذي يأتي من أواسط أفريقيا والذي يروي أراضينا منذ ألاف السنين
ونحن ننتمي
للعالم النامي بكل مشكلاته وكل آماله
ويجمعنا
أيضا تاريخ مشترك منذ أقدم العصور مرورا بفترة النضال من أجل التحرر التي بلغت
أوجها في الخمسينات وآتت ثـمارها في أوائل الستينات ويضمنا اتحاد واحد هو الاتحاد
الأفريقي وها هو اليوم تجمعنا مصلحة واحدة في مواجهة العولمة التي لا يمكن
اعتبارها خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا، وهى على أية حال شيء حتمي لا فرار منه، وهى
النتيجة الطبيعية للتطور التكنولوجي وذلك التطور التكنولوجي بدوره إنما هو نتيجة
طبيعية لذلك الحافز القوى الكامن فى الإنسان، الذي يدفعه باستمرار إلى محاولة
اكتشاف أية وسيلة جديدة من شانها تخفيف أعباء الإنتاج وصعوبات الصراع من أجل
الحياة ولقد أدي هذا التطور التكنولوجي إلي مزيد من التقارب بين الناس وإلي تضاؤل
المسافات الفاصلة بين الأمم وهذا التقارب له مزاياه وله أيضا عيوبه .
أما عن المزايا فقد أصبحت هناك حرية في نقل البضائع
والخدمات والاستثمار ولكن ليس هناك حرية فى انتقال البشر ولقد أصبحت هناك إمكانية
للدول النامية للوصول إلى المعرفة بقدر أكبر بكثير مما كان فى وسع الدول الأكثر ثراء منذ قرن مضى 0
وكذلك فان المعونة الأجنبية التي هي مظهر من مظاهر
العولمة و بالرغم من كل عيوبها فقد مولت هذه المعونات من خلال البنك الدولي
مشروعات أدت إلي توفير فرص عمل وزيادة دخول المزارعين في المناطق الريفية كما قدمت لهم
مشروعات تعليمية .
ولكن الوجه الأخر لذلك يتمثل فى الهوة المتزايدة بين
من يملكون ومن لا يملكون، ففي الوقت الذي يزداد فيه العالم المتقدم غنى ، يزداد
العالم النامي فقرا ، وتمثل قارتنا الأفريقية هذا العالم النامي فهي لم تحقق
الطموحات الكبيرة التي تلت التحرر من الاستعمار فقد تناقصت الدخول وانخفضت مستويات
المعيشة 0
إن العولمة مثل أمواج النهر ظاهرة طبيعية لا يمكن أن
نقف ضدها ولكن يمكن أن يستغلها الإنسان في توليد الطاقة أو يمكن للإنسان استغلالها
في التنـقل والوصول إلي هدفه علي ظهر سفينة بدون مشقة وهذا يعتمد علي كفاءة
المهندس الذي يصمم محطة الكهرباء أو كفاءة ربان السفينة الذي يوجهها وسط أمواج ذلك
النهر أو بعبارة أخري أنه يعتمد علي كفاءة الإدارة 0
أيها
السيدات والسادة إنني لا أقدم تعريفا أكاديميا للعولمة ولكن العولمة في أبسط
تعريفاتها هي عملية متعددة الجوانب بمقتضاها تتدفق السلع والخدمات والأموال
والأفكار عبر الحدود نتيجة التطور المذهل في المعلومات ووسائل الاتصالات
وانطلاقا من
هذا التعريف البسيط يجب أن أؤكد منذ البداية أن العولمة كعملية تحدث سواء أردنا أم
أبينا كما أوضحت من قبل
إنها عملية
مستمرة في الحدوث ولا دخل لإرادتنا في ذلك وان ما ينبغي عمله هو تعظيم المكاسب
وتقليل الخسائر الناتجة من تلك العملية
وإن اخطر ما فيها هو المؤسسات التي ترتكز عليها
وسيقتصر حديثنا في هذا السياق علي مؤسستين
فقط من هذه المؤسسات
الأولي هي
صندوق النقد الدولي الذي يأخذ بأسلوب "منهج واحد يناسب الجميع" وهذا
المنهج له مشكلاته ويبدو خطيرا بشكل خاص عند مواجهة تحديات الاقتصاديات النامية
واقتصاد التحول لأنه يقدم وصفة واحدة للجميع بغض النظر عن الاختلافات بين
المجتمعات 0
إن خبراء
صندوق النقد الدولي قد لا يدركون أن
قضايا التنمية في أفريقيا والبلاد النامية معقدة، إذ تواجه تلك
البلدان صعوبات أكبر من البلدان الأكثر
تقدماً. ذلك لأن الأسواق في البلدان النامية، تكون في أغلب الأحيان، غير موجودة
وإن وجدت فهي في الغالب تعمل بشكل ناقص، حيث تكثر مشكلات المعلومات، كما قد تؤثر
العادات الثقافية بشكل كبير على السلوك الاقتصادي.
أما النموذج
الذي يهمنا في هدا الصدد وهو- علاج البطالة فما يأخذ به صندوق النقد الدولي وهو
آليات العرض والطلب إنما هو نموذج قاصر فهو يقدم الوصفة الجاهزة دائما ألا وهي إن
علاج البطالة هو خفض الأجور حتى يزداد الطلب علي العمل وبالتالي تختفي البطالة .
و قد يري خبراء الصندوق إن أزمات البطالة وارتفاع
الأسعار والقلاقل الاجتماعية إنما هي من ضرورات التحول الاقتصادي المؤقتة ولكن
الأمر ليس كذلك من وجهة نظرنا كبلاد أفريقية لأن ذلك بالنسبة لنا يعني آلام
الفقراء وقد يحمل بذور تحلل النسيج الاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي .
و هذا لا يعني أنني أهاجم صندوق النقد الدولي، إذ
يمكن لخبراء الصندوق أن ينقلوا تجارب الأمم الأخرى إلينا ولكن أؤكد أن ألأمر في
النهاية يجب أن يكون للخبراء الأفارقة الذين هم أدري باقتصاد بلادهم ومعرفة
مشاكلهم
كما أود أن أشير إلي أن هناك بدائل لبرامج صندوق النقد الدولي ، برامج أخرى يمكن أن تتضمن
مستوى معقولاً من التضحية ، برامج لا تعتمد على عقيدة السوق ، ولها مردودات
إيجابية .
إن خفض
الأجور وفقا لرؤية صندوق النقد الدولي ليس هو الحل والهرولة في الخصخصة أيضا ليست
هي الحل ولكن الحل السليم ينبع من داخل ظروف البلدان الأفريقية حيث يجب أن تتم
الخصخصة وفق جدول متدرج حفاظا علي الاستقرار الاجتماعي والسياسي
ولعل من الأمثلة الجديدة بالنظر ما اتبعناه في مصر
فان الأسلوب الذي تتبعه مصر في الخصخصة في ظل توجهات السيد رئيس الجمهورية هو أسلوب نابع من واقع ظروفنا يحافظ علي وجه
التحديد علي حقوق العمال وحقوق المستثمرين في آن واحد بطريقة متوازنة حيث يقوم
التنظيم النقابي بدور هام في هذا المجال إذ يجتمع مع العمال ويناقشهم ويدرس
مطالبهم المشروعة ويتم إدراج تلك المطالب المشروعة في عقد البيع بحيث لا يضار أي
عامل في عمله فلا يتم خفض أجور العمال عند الخصخصة ولا يتم الاستغناء عن العمالة
بطريقة تعسفية ولكن يتم تعويضهم ببرامج المعاش المبكر وفق إرادتهم
وتتم الخصخصة أيضا في ظل شبكة من التأمينات
الاجتماعية ورعاية الفئات الضعيفة والمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة
أما عن ثاني هذه المؤسسات التي تعتمد عليها العولمة
وهي منظمة التجارة الدولية فانه يهمنا في هذا الأمر موضوعان.
الأول وهو خفض التعريفة الجمركية والثاني هو إدراج
الشرط الاجتماعي الذي يتعلق بمعايير العمل الدولية في صلب اتفاقيات التجارة
الدولية
ونبدأ بالموضوع الأول أن خفض التعريفة الجمركية وفقا
لشروط منظمة التجارة يؤدي إلي ضعف المقدرة التنافسية للمنتجات المحلية- وهذا الأمر
ينطبق علي مصر وغيرها من بلاد العالم النامي - الذي يؤدي بدوره إلي إغلاق المصانع
غير القادرة علي رفع مقدرتها التنافسية ويترتب علي ذلك زيادة البطالة0
اسمحوا لي أيها السادة أن أقول إن هؤلاء المتعطلين
هم ضحايا العولمة المتوحشة حيث يتوجه أغلب هؤلاء المتعطلين إلي العمل في القطاع
غير المنظم0
وهنا في مصر
أنشأت الحكومة صندوقا لتمويل الصناعات الصغيرة ودعمها بالقروض وقدمت للصناعات
الصغيرة التسهيلات التسويقية والتدريب اللازم لرفع كفاءة هذه المشروعات الصغيرة
وتمكينها من استيعاب العمالة لتقليل الأثار الناجمة عن العولمة
الأمر
الثاني الذي فرضته منظمة التجارة العالمية هو ما يسمي بالشرط الاجتماعي 0
وكما تعرفون فان الدول الكبرى في منظمة التجارة
العالمية سعت لإدراج بعض الضمانات فى اتفاقيات تحرير التجارة الدولية حتى يقترن
فتح الأسواق بمراعاة معايير العمل الأساسية التي لا يجادل أحد في أنها ضرورية
لمصلحة العمال -على البلدان المصدرة كشرط لنفاذ منتجاتها إلى البلدان الأخرى
وبشكل أكثر تحديدا سعت هذه الدول لإقامة صلة بين
تحرير التجارة من جانب ومراعاة تلك المعايير من جانب أخر
ليس هذا
فحسب بل سعت منظمة التجارة العالمية إلي إنشاء آلية عقابية للدول التي تخالف
أحكامها لكي تصبح هذه المعايير واجبة التطبيق كأصل عـام في مجال التجارة الدولية
السلعية
والذي نود أن نوضحه أن منظمة التجارة العالمية في
ذلك تتدخل في الاختصاص الأصيل لمنظمة
العمل الدولية ألا وهو وضع مستويات العمل الدولية عن طريق الاتفاقيات التي تبرمها
وتصدق عليها الدول الأعضاء 0
وكما تعرفون فان منظمة العمل الدولية في إصدارها
للاتفاقيات التي تمثل مستويات العمل الدولية تعتمد على أسلوب التمثيل الثلاثي وهذا
الأسلوب يضمن مشاركة أصحاب الشأن في تحديد تلك المستويات عكس الأمر بالنسبة لمنظمة
التجارة العالمية التي هي منظمة حكومية
والأمر
الثاني الذي نود إيضاحه هو أن إدخال ذلك الشرط الاجتماعي في صلب اتفاقيات التجارة
الدولية إنما يهدف في الأساس ليس لحماية عمال البلاد النامية التي تحاول تصدير
قليل من منتجاتها إلي تلك البلدان المتقدمة وإنما يهدف في الأساس لمنع تلك الدول
النامية من تصدير ذاك القليل من تلك المنتجات التي تحاول تصديرها فيما يعرف
بالإغراق الاجتماعي قياسا علي الإغراق الاقتصادي
إن إدراج
الشرط الاجتماعي بهذه الطريقة التعسفية وبدون استخدام الآلية الثلاثية إنما يهدف
لإيجاد وسيلة ضغط مستمرة لحرمان الدول النامية من ميزة نسبية ألا وهي ميزة العمل
المنخفض التكلفة 0
لعلني قد نجحت في إيضاح أخطار العولمة من خلال
الإشارة إلي دور كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي
و الآن أيها السيدات والسادة
أن ما يحيط بنا من واقع مؤلم يطرح علينا سؤالا واحد ألا وهو ما
العمل؟
لا سبيل أمامنا لتجنب
آثار العولمة سوي أن تتضافر جهود بلادنا لتحقيق التكامل الاقتصادي وذلك من خلال
العمل المشترك على إزالة الحواجز والقيود بين بلادنا بالإضافة إلى وجوب التنسيق
والتجانس في السياسات الاقتصادية لتحقيق هذا التكامل 0
إن هذا التكامل يمكن
تحقيقه من خلال زيادة التخصص ومن خلال زيادة حجم التبادل بيننا
وكذلك تنشيط المنظمات و الاتحادات الإقليمية المنتشرة في القارة
في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها وصولا إلى السوق الأفريقية المشتركة 0
إن هناك ما يزيد علي
مائتي منظمة في قارة أفريقيا منها مائة وستون منظمة بين الحكومات وتتراوح هذه
المنظمات مابين منظمات اقتصادية ومنظمات للتنمية ومنظمات لتقديم خدمات فنية وهيئات
مالية
ولو نشطت تلك التجمعات الاقتصادية والسياسية لترتب علي ذلك توسيع
الأسواق تجاه المنتجات الأفريقية وتشغيل عمالتها .
أما السبيل الثاني
المتاح أمامنا أيها الأشقاء هو تبادل الخبرات بيننا فكل دولة لها تجاربها
وخصوصياتها في هذا المجال وتبادل هذه الخبرات يثري الجميع
وفي النهاية أود أن
أؤكد مرة أخري أن كل ما نريده في مواجهة العولمة هو حماية مصالح عمالنا ومصالح
أوطاننا بتقليل خسائرنا الاجتماعية والاقتصادية وتعظيم مكاسبنا0
والأمر الثاني الذي أود
أن أؤكده هو إن أفريقيا ليست فقيرة إذا امتلكت الإرادة لتغيير هذا الواقع
أن أفريقيا عظيمة بسواعد رجالها أولا وثرواتها ثانيا 0
وفقنا الله
وإياكم لما فيه خير قارتنا العظيمة 0
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته